أحمد بن محمد مسكويه الرازي
127
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
المطلوب والسعادة القصوى ، وظنوا ان جميع قواه الأخر إنما ركبت فيه من أجل هذه اللذات والتوصل إليها ، وأن النفس الشريفة التي سميناها ناطقة إنما وهبت له ليرتب بها الافعال ويميزها ، ثم يوجهها نحو هذه اللذات لتكون الغاية الأخيرة هي حصولها له على النهاية والغاية ، وظنوا أيضا ان قوى النفس الناطقة ، أعني « الذكر » و « الحفظ » و « الروية » كلها تراد لتلك الغاية . قالوا : وذلك أن الانسان إذا تذكر اللذة التي كانت حصلت له بالمطاعم والمشارب والمناكح اشتاق إليها ، وأحب معاودتها فقد صارت منفعة الذكر والحفظ انما هي اللذة وتحصيلها ، ولأجل هذه الظنون التي وقعت لهم جعلوا النفس المميزة الشريفة كالعبد المهين ، كالأجير المستعمل في خدمة النفس الشهوية في المآكل والمشارب والمناكح ، وترتبها لها وتعدّها اعدادا كاملا موافقا . وهذا هو رأي الجمهور من العامة « 1 » والرعاع « 2 » وجهال الناس والسقاط ، « 3 » وإلى هذه الخيرات التي جعلوها غاياتهم تشوقوا عند ذكر الجنة والقرب من بارئهم عز وجل ، وهي التي يسألونها ربهم تبارك وتعالى في دعواتهم وصلواتهم ، وإذا دخلوا بالعبادات وتركوا الدنيا وزهدوا
--> ( 1 ) . عامة الناس . ( 2 ) . يقول الشاعر الإنساني جبران خليل جبران في قصيدته المواكب : الخير في الناس مصنوع إذا جبروا * والشرّ في الناس لا يفنى وإن قبروا وأكثر الناس آلات تحرّكها * أصابع الدّهر يوما ثمّ تنكسر فلا تقولنّ هذا عالم علم * ولا تقولنّ ذاك السيّد الوقر فأفضل النّاس قطعان يسير بها * صوت الرعاة ومن لم يمش يندثر ( 3 ) . السفلة من الناس .